صديق الحسيني القنوجي البخاري

425

فتح البيان في مقاصد القرآن

والزخرف هو الباطل من الكلام الذي قد زين ووشي بالكذب وكل شيء حسن مموه فهو زخرف يغرونهم بذلك غُرُوراً هو الباطل . قال ابن عباس : شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس ، فإن اللّه يقول وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [ الأنعام : 121 ] ويحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم . وقد أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أبا ذر تعوذ باللّه من شر شياطين الجن والإنس ، قال يا نبي اللّه وهل للإنس شياطين قال نعم شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا » « 1 » . وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ الضمير يرجع إلى ما ذكر سابقا من الأمور التي جرت من الكفار في زمنه وزمن الأنبياء قبله أي لو شاء ربك عدم وقوع ما تقدم ذكره ما فعلوه وأوقعوه ، وقيل ما فعلوا الإيحاء المدلول عليه بالفعل فَذَرْهُمْ أي دع الكفار واتركهم ، وهذا الأمر للتهديد كقوله ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [ المدثر : 11 ] . وَما يَفْتَرُونَ إن كانت « ما » مصدرية فالتقدير اتركهم وافتراءهم وإن كانت موصولة فالتقدير اتركهم والذي يفترونه ، وهذا قبل الأمر بالقتال . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 113 إلى 115 ] وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113 ) أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 ) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 ) وَلِتَصْغى اللام لام كي وقيل اللام للأمر وهو غلط فإنها لو كانت لام الأمر جزمت الفعل ، والإصغاء الميل يقال صغوت أصغو وصغيت أصغي ويقال أصغيت الإناء إذا أملته ليجتمع ما فيه وأصله الميل إلى الشخص لغرض من الأغراض ، ويقال صغت النجوم إذا مالت للغروب وأصغت الناقة إذا مالت برأسها . والضمير في إِلَيْهِ لزخرف القول أو لما ذكر سابقا من زخرف القول وغيره أي أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم ولتصغي إليه أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ من الكفار والمعنى أن قلوب الكفار تميل إلى زخرف القول وباطله وتحبه وترضى به ، وهو قوله وَلِيَرْضَوْهُ لأنفسهم بعد الإصغاء إليه وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ من الآثام والاقتراف والاكتساب ، يقال خرج ليقترف لأهله أي ليكتسب

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الاستعاذة باب 48 ، وأحمد في المسند 5 / 178 ، 265 .